الرئيسية » , » في مجرى النسيان ، بقلم ، عبده جمعه

في مجرى النسيان ، بقلم ، عبده جمعه

Written By قطرة عطر للكاتب عبده جمعه on السبت، 14 فبراير 2015 | 6:29 ص


دوماً كان يبحث عن دفء ما ، دار كثيراً بمختلف الدروب ، تحدث معها على باب المطار و هو يودعها و قال لها انه سيصل الليل بالنهار حتى يستطيع ان يدخر مالا من اجل اتمام الزواج و حتما له أن يفوز بها ، أقسمت عليه مراراً و تكراراً أن يبقى معها و هم سوياً سيدخرون من نفقات الحياة ما يعينهم على اتمام الزواج و لكنه كان يحمل داخله حلم الثراء ، فلم تفلح معه محاولاتها ، ودعته بدموع كانت تسيل كخيوط النار على وجنتيها ، أقام سنوات شبابه مغترباً عن وطنه و بيته و حبيبته ، أخذت الذكريات تعانق فيه وحدته ، و برغم أنه تظاهر بالصبر و الجلد و قوة التحمل إلا ان دموعه كانت تغلبه أثناء ساعات الأرق طويلة الأمد ، و في أحلامه كان يخالط الليل بالنهار و الواقع بالخيال ، يخلق من الغد صراط التحقق لأمنيات بعيدة المنال ، غربة موحشة و وحدة قاتلة ، و مرض عضال هو الحب الذي يحيا بين جوانحه ،
كان يجتهد كثيراً في عمله لعله يختصر طريق العودة سريعاً ، تضاعفت ثروته و أكتمل الركن الأول في قصر أحلامه ، أخذته سنوات الغربة في مجرى النسيان ، و قذفته يميناً و يساراً ، فأخذه الطمع في إكتساب المزيد و المزيد من الثروات و الأموال ، و أراد أن يكبح جماح رغباته فتزوج في غربته و أصبح يمتلك إقامة دائمة ، فأقام أسرة صغيرة و أنسته الأطماع من ينتظره و يتمناه ، كان يهاتفها في البداية يوميا ، ثم أسبوعيا ، و رويداً رويداً أختفى رقم الهاتف من قائمته كما أختفت تلك المشاعر الدافئة
و على الجانب الأخر من القمر كانت حبيبة تنتظر عودته ، أصبحت تراقب الطائرات المحلقة كالأطفال و كأنها تُمني نفسها بأن يكون عائداً في إحداها ، خاب الظن كثيراً ، فما عاد و ما عاد في الأفق من يحمل لها بشير العودة ،
تتذكر كثيراً أيام صباها و تأرجح قلبها من أقصى المحبة إلى أدني الحنين ، و سنوات تمر ببطء متثاقل و كئيب ، و تساؤل كطعنة خنجر سام ، متى تعود أيها الحبيب ؟
للأسف ما من مجيب ، ظلت أسرتها تمارس معها مختلف طقوس الضغط و معهم سنوات عمرها التي تمر تباعاً، رضخت أخيراً من بعد معرفتها بنبأ زواجه و إنجابه طفلين ، فقررت الزواج حتى تهرب من جحيم اسرتها و بركان الحياة المتصاعد حمماً حارقة لكل ما كان بالقلوب ،
أتمرت الحياة على وتيرة واحدة عندها ، ذكريات مؤلمة لا يتقاذفها موج النسيان نحو الإعماق بل تطفو دوماً على السطح ،
كانت تتسلل إلى أحلامها سوياً تلك العهود و الأمنيات و صكوك الوفاء ، مزقت مخالب الايام كل الأوراق و باعدت بين كل المسافات ،
و في ذروة إنقسام المشهد كان المطر يهطل على نافذتها و برغم انها كانت تطرب لصوت المطر و ترى فيها اشراقة الأمل إلا انها في تلك اللحظة شعرت مع ريهام المطر أنه يحمل دقات قلب لا ينبض إلا بالأنين ،
و على الجانب الأخر و في إحدي ليالي الشتاء الباردة كان يجلس حول مدفأة تبعث نحوه بدفقات دافئة من شعلتها ، كان يمسك بيده ورقة بها حساب السنة المالية الأخيرة و قارن بينها و بين أرقام حساباته المتضخمة في البنوك ، كم أصبح ثرياً للغاية ، أبتعد بعينه عن الأوراق و نظر ملياً إلى قطع الثلج التي تسقط من السماء ، و أكتست الأرض بالبياض الذي يبعث على القشعريرة بالجسد ، بياض أحتل رأسه و جعل أيامه كشجرة هرمة عجوز ، دمعت عيناه و قد أيقن أنه لن يفوز ،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

0 التعليقات :

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة مدونة قطرة عطر للكاتب عبده جمعه
تركيب أمل جمال النيلي