
لقد خلق الله تعالى الإنسان وفضله تفضيلا وميّزه عن سائر المخلوقات بنعمٍ كثيرة أهمها وأبرزها نعمة العقل والتمييز والكلام ليجعله قادراً على تحمل مسؤولية الاستخلاف فى الأرض وتعميرها .....وهذا التكريم يتضح فى قوله تعالى :
( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان )
أى أن نعمة البيان والنطق والكلام هى من ابرز النعم التى وهبها المولى سبحانه وتعالى للإنسان فهى الأساس الاول الذى أعطى للإنسان القدرة على تكوين حياة اجتماعية على وجه الأرض منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا ...فاللسان هو المترجم الأول لكل مايدور بالعقل ولكل مايختلج فى النفس من معانٍ وأفكار وأحاسيس ومشاعر ..ولولا هذا لما نشأت ثقافات وحضارات مختلفة وحياة اجتماعية على وجه الأرض على مر العصور والأزمنة المختلفة...
ومن نعم الله على الإنسان أيضا أنه يمكن أن يعبر عن نفسه بلغات أخرى غير لغة الكلام الذى يخرج من خلال مقاطع ومخارج صوتية ..فهناك لغة الإشارة ..وهناك لغة العيون والنظرات ..وأيضا هناك لغة الصمت الذى يكون أحياناً أبلغ من كل العبارات الكلامية..والمحروم حقاً هو الذى حُرم من إحدى هذه اللغات وليس من حُرم من نعمة الكلام ...
ولكن حتى الصمت أحياناً يكون محموداً إذا كان للتأمل وتدبر المواقف أو إذا كان للتفكير العميق قبل النطق بالكلام ..أو عندما يكون لامتصاص غضب الطرف الآخر خاصة فى بعض الخلافات الزوجية البسيطة ...
ولكن أحياناً أخرى يكون الصمت قاتلاً ومذموماً إذا كان الغرض منه استفزاز الطرف الآخر أو إشعاره بعدم الاهتمام به ولا بمشاعره ...وهذا غالباً مايؤدى لفشل الكثير من العلاقات وخاصة العالاقات الزوجية ...
وقد حكت لى إحدى صديقاتى عن زوجها فقالت لى :
أن زوجها يحمل أغلب المواصفات التى يمكن أن تجعل منه زوجاً مثاليا ولكنه للأسف الشديد يعانى من هذا المرض المسمى بالخرس الزوجى ..وقد حاولت معه كثيراً منذ أيام الزواج الأولى أن تغير فيه هذا العيب أو حتى تقلل منه ولكنها لم تنجح أبداً ..فهو لايعبر لها عن مشاعره أبداً بالكلام
و لاحتى بالإشارات ولايجاملها فى الأوقات العادية ولاحتى فى المناسباتت الكثيرة التى تمر عليهما منذ تزوجته .....وهو أيضاً لايحدثها عن مشاكله أو عما يدور بداخله أو مايحدث معه فى العمل او عن أى موقف يحدث معه خارج المنزل إلا فى بعض المواقف القليلة جدا ..وهو أيضا لا يحاول ان يتعرف حتى على مشاكلها هى سواءاً كانت خارج المنزل فى عملها أو حتى المشاكل الحياتية اليومية التى تمر بها داخل المنزل أو حتى المشاكل والمواقف التى تخص الأولاد,,, والسبب فى ذلك كله هو انقطاع لغة التحاور والكلام بينهما ..والتى امتدت فيما بعد إلى انقطاع لغة التحاور والكلام بينه وبين الأولاد أيضاً ..وكم تمنيت ان انجح فى تضييق هذه الفحوة التى اتسعت بيننا وبينه ولكنه للأسف الشديد يعيش حياته متوحداً مع نفسه ولايشعر أبداً بمن يعيشون حوله وهم أقرب الأشخاص له ...وأكملت صديقتى حديثها معى بأنها تفكر فعلاً فى الانفصال عن هذا الزوج لانها بدأت تشعر بأن كل مميزاته بدأت تتلاشى أمام هذا العيب الخطير الذى لاتعرف له أى سبب لأنها على قدر استطاعتها تحاول دائماً أن تخفف عنه أعباء الحياة ومشاكلها ظناً منها أن هذه المشاكل هى سبب صمته الدائم معاها ومع أولاده..وأكثر مايستفزها فى هذا الأمر هو أنه متحدث لبق جداً مع كل من حوله من الأصدقاء والأقارب بل ومجامل لهم وكريم معهم لأبعد الحدود ..حتى أنها كثيرا جداً كانت تتمنى لو انها لم تكن زوجته حتى تنال بعضا من هذا الكلام الجميل والمجاملات التى ينالها الغير منه ..وكثيرا ماكانت تذكره بحديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والذى يقول فيه :
( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى ) ....وقد احزنتنى جدا رواية صديقتى ومشكلتها التى تهدد حياتها الزوجية على الرغم من أن حل هذه المشكلة لايتطلب سوى بضع من الكلمات القليلة والتى لن تكلف الزوج شيئاً حتى وإن كانت من باب المجاملة لكى تسير سفينة الحياة الزوجية وتصل إلى بر الأمان ...
وأنا تعمدت أن ألقى الضوء على هذه المشكلة الخطيرة لأننى متاكدة من أنها موجودة وبكثرة فى كثير من البيوت وبين الكثير من الأزواج والزوجات .... وذلك حتى يفيق هؤلاء الأزواج من غيبوبتهم وينقذوا مايمكن إنقاذه قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه وحتى لايصل الامر إلى حد الإنفصال بسبب هذا العيب الذى يبدو بسيطاً فى ظاهره ولكنه كبيراً جداً فى باطنه بسبب مايخلفه من آثار سلبية على نفوس الكثير من الزوجات والأولاد أيضاً ...
وأنا طبعا لاأبريء ساحة كل الزوجات تجاه أزواجهن وأعلم جيداً ان البعض منهن أحياناً يكون هو السبب الرئيسى فى صمت أزواجهن بما يحدث منهن من تصرفات سلبية سيئة تجاه هؤلاء الأزواج ... أو لعدم فهمهن لطبيعة شخصية هؤلاء الأزواج ...فأنا بالطبع لاأتحدث هنا عن هذه النوعية من الزوجات ولكننى أتحدث عن النوع الآخر الذى يشبه حالة صديقتى والتى أعلم جيداً انها صادقة في كل ماروته لى لعلمى الأكيد بأنها تكره الكذب وتمقته بشدة ولاتمارسه أبداً فى اى امر من أمور حياتها ..
وأنا من خلال مقالى هذا أناشد هؤلاء الأزواج الصامتون وأقول لهم فلتتخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة لكم فى تعامله الراقى جداً مع جميع زوجاته ( أزواجه )... وان تتخلقوا باخلاقه الكريمة ومودته وجميل عشرته معهن أجمعين (جميعاً ) ...وعليكم أن تسارعوا وتنقذوا حياتكم الزوجية من الفشل والإنهيار وتأكدوا ان هذا الأمر لن يتطلب منكم إلا بعض المجهود البسيط جدا فى إظهار مودتكم لزوجاتكم وأن تحاولوا إسعادهن ببعض المجاملات و الكلمات الرقيقة فى كافة المناسبات بل وعليكم ايضاً أن تخلقوا انتم الأوقات المناسبة لهذه المجاملات والتى من شأنها انها تعمل على زيادة المودة والألفة بينكم وبين الزوجات .... وذلك حتى لاتندموا قى وقت لاينفع فيه الندم ,,, وفى هذه الحالة سيكون الخاسر الأول والاكبر هو الأولاد لأنهم سيدفعون الثمن من استقرارهم الأسرى وهدوئهم وراحتهم النفسية بسبب انفصال الأبوين.....
0 التعليقات :
إرسال تعليق