الرئيسية » , » ثقافة الاعتذار ، بقلم أ / عبد الناصر الصاوى

ثقافة الاعتذار ، بقلم أ / عبد الناصر الصاوى

Written By قطرة عطر للكاتب عبده جمعه on الأحد، 23 مارس 2014 | 1:08 ص


يعد الاعتذار من شيم وأخلاق الكبار الأقوياء ، وعلامة من علامات الثقة بالنفس التي لا يتصف بها إلا الذين لديهم القدرة على مواجهة الآخرين بكل قوة وشجاعة وأدب ، فالحياة بدون اعتذار ستحمل معاني الندية ، وستخلق جواً من التوتر والقلق بين الناس ، ويمحو الاعتذار ما قد يشوب المعاملات الإنسانية من توتر أو تشاحن نتيجة الاحتكاك المتبادل بين الناس.
وينفى الاعتذار عن صاحبه صفة التعالي والكبر ، ويمنحه المصداقية والثقة في قلوب الآخرين ، و يُزيل الأحقاد ، ويقضي على الحسد ، ويدفع عن صاحبه سوء الظن به ، والريبة في تصرفاته.
و الاعتذار يعني الاعتراف بالخطأ ، وقلما تجد إنساناً يستطيع أن يواجه الآخرين بخطئه أو يعترف به ، ولأن الاعتذار يعني تحمل المسئولية عن الخطأ الذي ارتكبه صاحبه ؛ فالكبار فقط هم الذين يواجهون أخطاءهم بكل قوةٍ وحزم ، ولأن الكبار هم الذين يُراعون مشاعر الآخرين ، ولا يجرحونها ، فلا يتعدون على حقوقهم أو يتعدون على كرامتهم ؛ لذا فإنهم متى بدر منهم ذلك يسارعون للاعتذار وتصحيح الخطأ .
إن من يملكون فى أنفسهم القدرة و الثقة يتصفون بأنهم:
1. صادقين مع أنفسهم ولا يترددون فى الاعتراف بالخطأ.
2. متحلين بالمسؤولية الكاملة عن أفعالهم وعن أي أذى يسببونه لشخص آخر.
3. يكون لديهم إحساس بأن تقديم الاعتذار هو شيء ملح للغاية.
4. لا يترددون عن إخبار الآخرين بخطأهم.
5. لا يترددون عن عدم تكرار خطأهم.
إن التصارح مع النفس ولو دقيقة واحدة تفوق في قيمتها أياماً وشهوراً أو سنوات نقضيها في خداعنا أنفسنا فإذا انتظرنا فترة طويلة قبل أن نعتذر فسيرى الناس عدم اعتذارنا على أنه رغبة في إلحاق الأذى بالآخرين
إن الكبار يفهمون الاعتذار فهماً راقياً ، و يعتبرونه مصدراً لزيادة الثقة بينهم وبين مخاطبيهم ، ومجالاً خصباً لبناء علاقات اجتماعية قوية ، لا تتأثر بالنوازل أو الخلافات فلا ضير من الاعتذار لزوجاتهم إذا ما أخطأوا في حقهن ، ولا مانع من الاعتذار لمرؤوسيهم إذا قصروا في أداء الواجبات المنوطة بهم ، ولا ينقص من قدرهم إذا اعتذروا ولو كانوا في مراكز قيادية. ولا ينقص من كونهم إذا أخطأوا فى حق أصدقائهم أن يعتذروا.
على العكس تماماً من صغار النفوس ، الذين دأبوا على التهرب من الاعتذار عن أخطائهم التي ارتكبوها ، فبدلاً من السعي لتصحيح أوضاعهم ومراجعة أنفسهم ، وإصلاح ما أفسدته تصرفاتهم ، فإنهم يحاولون تبرير أخطائهم ، وتقديم الأعذار التي يحاولون من خلالها التملص من تحمل المسئولية ، أو تجميل الصورة والظهور بالمظهر اللائق أمام الناس، ومع أن ارتكاب الأخطاء أمر مُشين ويَعيب مرتكبيها ، إلا أن الاعتراف به وعدم المجادلة بالباطل قد يمحو آثار هذا الخطأ ، ويُكسب صاحبه تعاطف الآخرين ووقوفهم بجانبه. فالزوج تأخذه العزة بالإثم من الاعتذار لزوجته خوفاً من أن يُنقص ذلك من رجولته ، والمدير لا يعتذر لموظفيه خشية أن يعتبرونه ذا شخصية ضعيفة ، والمدرس لا يعتذر لتلاميذه إذا أخطأ معهم خوفاً من الاتصاف بعدم التمكن من مادته.
إن أخطر ما في سياسة التبرير التي ينتهجها البعض هي أن تنتقل عدوى التبرير إلى من حولنا ، فالأب الذي لا يعتذر لأولاده -مثلاً عن عدم وفائه لهم بوعد وعده لهم - إنما ذلك درس عملي لهم أن ينتهجوا نفس النهج ، ويسلكوا نفس السلوك ، وقس على هذا كل المسئولين مع مرؤوسيهم.
ومع اتصاف الكبار بهذا الخلق العظيم ، وهذا السلوك الإيجابي من تقديم الاعتذار والاعتراف بالخطأ متى بدر منهم ، فهم كذلك يبادرون لقبول الأعذار من المخطئين في حقهم ، فلا تعالٍ ، ولا ضرر ، بل مسامحة وعفو وطيب خاطر ، وهم بذلك يقدمون درساً عملياً للناس. فقبول الاعتذار بهذه الصورة يحض الناس على الاعتذار متى أخطأوا لأن الإصرار على الملامة والعتاب وتسجيل المواقف لإحراج المعتذرين يجعلهم يُصرون على الخطأ ، ويأبون الاعتراف به.
ولا أدل على قيمة الإعتذار من أنه من شيم الأنبياء ؛ فلقد اعترف سيدنا آدم عليه السلام
بذنبه لما أخطأ وسارع إلى ذلك ، ولم يُحاول تبرير ما وقع فيه من إثم بمخالفة أمر الله ، والأكل من الشجرة المحرمة عليه هو وزوجه و لم يُراوغ أو يتكبر ، لم ينفِ لكنه جاء معترفاً بخطئه ومُقراً به " قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.الأعراف) 23) .
فعندما أخطأ سيدنا موسى عليه السلام لما وكز الرجل بعصاه فقتله لم يبرر فعلته ، ولم يراوغ لإيجاد المخارج من هذا المأزق ولكنه اعترف ابتداءً أن ما فعله من عمل الشيطان "هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ" ثم قام ليقدم الاعتذار ويطلب العفو والصفح والمغفرة "قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (القصص: 15-16).
ونجد فى إعتراف بلقيس وامرأة العزيز : اللتين كانتا تعيشان في بيئة وثنية كافرة ، ولكنهما اعترفتا بذنبيهما ، وتابتا وأنابتا إلى الله ، أما الأولى وهي بلقيس فإنها متى رأت الآيات البينات تترى على يد نبي الله سليمان حتى قالت"رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (النمل: 44).
وأما امرأة العزيز التي راودت ، وكابرت لتبرير موقفها الصعب ، وسلوكها المشين فقد اعترفت في شجاعة نادرة " قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" (يوسف:51-52) .
يا لها من قوة تحلتا بها ، وجرأة في الحق يعجز أكابر الرجال في زماننا أن يأتوا بمثلها ، بيد أن البيئة الوثنية كانت أفضل حالاً من بعض بيئات اليوم التي أفرزت قطيعاً من المنافقين الكذابين ، المتعالين الذين ليس لديهم من الشجاعة ما يؤهلهم لمواجهتهم الآخرين بأخطائهم.
وفى السياق جاء أناس من الأشعريين (قوم أبو موسى الأشعري) رضي الله عنه ، وطلبوا منه مرافقتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يعلم ما يُريدون ، وإذا بهم جاءوا ليطلبوا الإمارة والولاية على بعض أعمال المسلمين ، فظهر أبو موسى وكأنه جاء ليشفع لهم في طلب الإمارة ، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم رداً لطيفاً ، ولكن الصحابي الجليل شعر بالحرج الشديد فقال :" فاعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل وعذرني"
إن الكبار دائماً وأبداً يعتذرون لدرء الشبهة التي قد يتوهمها البعض ، فهم لا ينتظرون المعاتبة أو المراجعة حتى يُبرروا موقفهم من ذلك ، بل يسارعون ليُنهوا الأمر في وقته. مما يدل على ارتقاء سلوكياتهم و أنفسهم ، و لما لا و هم يحملون من الرقى ما يجعلهم يتحلون بشيمة من أعظم شيم الأنبياء ، تسمو بأنفسهم و ترتقى بهم إلى أعلى مراتب الرقى الوجدانى و الاجتماعى و تنهض بالمجتمع ، وتقلل من الحقد و الحسد بين أعضائه .

0 التعليقات :

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة مدونة قطرة عطر للكاتب عبده جمعه
تركيب أمل جمال النيلي