الرئيسية » , , » حضارة الاسلام ، بقلم / طه دخل الله عبد الرحمن

حضارة الاسلام ، بقلم / طه دخل الله عبد الرحمن

Written By قطرة عطر للكاتب عبده جمعه on الجمعة، 6 ديسمبر 2013 | 7:25 ص

إن في التاريخ البشري سنناً ربانية تحكم الأحداث الجارية ، والذين يفقهون هذه السنن ويحسنون التعامل معها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوقون فيها. والأمة التي يقودها فقهها في السنن الربانية في بناء المجتمعات هي الأمم التي تحقق النصر لا محالة ، أما القادة الخطباء الذين يلعبون بالمشاعر والعواطف فهؤلاء يقودون قومهم إلى دار البوار. فمن فضل الله على عباده أن جعل السنن ثوابت لا تتغير ولا تتبدَّل (ولن تجد لسنة الله تبديلا) ، (ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، فلنهوض الأمم , ولازدهار الحضارات سنن ، لا تحابي أحدا ، من أخذ بها وصل ، ومن أغفلها حار ولم يبرح مكانه ، فالمعجزات نادرة . لذا فإنه من الواجب على الإنسان أن يضع خططه ويرسم هدفه ويمضى ليحقق غايته ، فلا مبرر لمتكاسل يدعى تقلب السنن ، ولا لمجتهد أخطأ الوسيلة الواضحة الجلية وهو قادر على السؤال . وهنا سنحاول معا تصفح التاريخ , ننقب في أسراره ، ونبحث في دهاليزه لنخرج معالم قيام الأمم وازدهار الحضارات ، فالتراث الإنساني مليء بالتجارب التي أبدعت فيها العقول وأخرجت كنوزا , بداية من الحضارة اليونانية ، والحضارة الرومانية ، مرورًا بالحضارة الإسلامية وانتهاء بالحضارة الغربية الحديثة. شهد تاريخ البشرية الطويل ، حضارات عدة سادت ثم بادت ، منها ما كان مقتصراً على إقليم من الأقاليم ، أو جنس من الأجناس البشرية كحضارة قدماء المصريين مثلاً ، وقد تكون نتيجة جهود أجناس مختلفة وتشمل بقاعاً واسعة ، كما هو حاصل اليوم في حضارة الغرب التي مازالت قائمة ، ولكن لا يعرف على وجه التحديد ، كيف بدأت هذه الحضارات المتنوعة ، وليس سهلاً أن يضبط تاريخ مولدها ، والظروف التي صاحبت وجودها ونشأتها• لأن أي حضارة من الحضارات تتبدى لنظر المؤرخين عند قيامها ، كائناً حياً سوي الخلقة ، وهي بذلك قد خلفت وراءها بعض مراحل تطورها في ظلال ظروف ماضية يصعب التعرف الدقيق إليها ، وهذا يعود بدوره إلى أن الحضارات لا يمكن أن تولد كما يولد الأفراد ، وإن هي من ناحية أخرى تشبه الكائنات العضوية في تأثرها بمؤثرات البيئة في نموها ونضجها فنحن لا نستطيع أن نحدد مثلاً بدء الحضارة الغربية الحديثة ، فإن كل ما ندريه عنها أنها تطورت شيئاً فشيئاً من حطام الحضارة الرومانية ، وامتزجت بدين شرقي هو المسيحية ، بعد أن عدلته وحورته طبقاً لحاجات الغرب واستعداداته وظروف حياته ، ولكن لا نستطيع أن نحدد على وجه دقيق متى اتخذت هذه الحضارة الجديدة المركبة طابعها المحدد المتميز ، وكل ما نستطيع أن نقوله في هذا الصدد أن ذلك لابد أن يكون قد تم في أوائل العصور الوسطى على مدى أربعة أو خمسة قرون على وجه التقريب• والواقع هو أن الحضارة الغربية بدت في الوجود وأبرزتها في مواكب الزمان تطورات دامت أحقاباً طويلة فكانت مقوماتها الأساسية التي تتمثل في نظرتها إلى الحياة الإنسانية والأخلاق وفضائل النفس ، في تراثها وعاداتها وقوانينها الاجتماعية ، نتاج امتزاج بطيء لخليط من المؤثرات الفكرية مختلفة أشد الاختلاف ولعناصر من الحضارات متباينة أشد التباين ، وليست حضارة الرومان ذاتها أكثر وضوحاً أو تحديداً من سابقتها ، ولا كذلك حضارة الهندوس أو الصين ، ولا تخرج حضارات بابل وأشور عما سبقت الإشارة إليه ، بل إن القول لينطبق على كل ما شاهد البشر من حضارات ، إننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات البشر ، فلن نجد توقيتاً معيناً نستطيع أن نحدده بدءاً لحضارة ما ، أو تاريخاً لمولدها ، ولا أن نعين حداً فاصلاً يميز بين حضارة ولَّت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود• لكن هناك استثناء واحداً لكل ما أسلفنا من قول ، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة ، فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة ، برزت للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة ، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر ـ تلك ولا شك حضارة فذة من نوع فريد ، إنها حضارة الإسلام ، لقد انفردت وحدها بانبجاسها إلى الحياة من دون سابق عهد أو انتظار ، وقد جمعت هذه الحضارة ، من فجر نشأتها ، كل المقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة ، فقامت في مجتمع واضح المعالم ، له نظرته الخاصة إلى الحياة ، وله نظامه التشريعي الكامل ، وله نهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد ، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع ، ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي ، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة ولكن هذه الحضارة ، كانت وليدة حدث تاريخي فريد ، وهو تنزيل القرآن الكريم ، وكان مردها إلى رجل فذ في التاريخ هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد أدرك الذين آمنوا بالإسلام واتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم وصدَّقوا بالقرآن ، فاتخذوه قاعدة حياتهم ، إن الدين الجديد الذي جاء به القرآن يتطلب منهم هجرة بائنة إلى ما جاءهم به عما توارثوه من عقائد في الحياة ، وما ألفوه من مناهج السير فيها • إنهم أدركوا أن الإسلام جاء نظاماً شاملاً للحياة ، وقد افتتح حقاً حضارة جديدة وما كان دوره ليقتصر على التمهيد لغيره من الحضارات أو الإرهاص بها ، فتبينوا كما تبين من جاء بعدهم من المؤمنين ، أن مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إيذاناً ببدء عهد جديد بكل ما ينطوي عليه هذا البدء من حقائق ومعان • لقد بدأت حضارة الإسلام إذن كائناً حياً متكاملاً متمايزاً ، انبثق نجمها فكان ظهورها في توقيت تاريخي محدد امتد زهاء ثلاثة وعشرين عاماً ، هي الحقبة التاريخية التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر الحياة من يوم بعثته حتى لقي الرفيق الأعلى ، وليس هناك في التاريخ البشري كله من حضارة في القديم أو الحديث ، نستطيع أن نحدد تاريخ مولدها والظروف والعوامل التي صاحبت وجودها ونشأتها ، سوى حضارة الإسلام• ويمكن أن نوجز خصائص الحضارة العربية الإسلامية بنقاط هي: أولاً : إنها كانت للعالم حضارة جديدة تقوم على عقيدة التوحيد في أسمى صورها ، وهي العقيدة التي تنبع من وحي رسالة سماوية ، وتمد الحضارة بالروح والقوة والتماسك ، وتوجهها إلى الموازنة الدقيقة بين مقاصد الروح ومطالب الجسد ، والبعد عن الزهد المعطل للحياة ، وعن المادية الجامحة المفسدة لإنسانية الحياة ، لقد كان الفرد المسلم إنساناً صالحاً وكانت الأمة أمة فريدة في توحدها على عقيدة التوحيد• وفي ظل حضارة الإسلام انعقدت الصلة بين الأرض والسماء ، وبين الحياة الدنيا والآخرة ، بين النشاط المالي والقيم الأخلاقية ، وهذا أعظم ما يصل إليه الإنسان في الأرض ، وبهذا يكون متحضراً• ثانياً : الحضارة الإسلامية عالمية التوجه والمحتوى ، أنشأت مجتمعاً جديداً يقوم على التعاون والتسامح والانفتاح على الآخرين ، والتعايش السلمي مع الجميع سواء كانوا أفراداً وجماعات أو دولاً ، وللفقهاء كلام صريح في هذا الباب ، حيث يؤكدون على إنسانية الإسلام وعالميته ، فالفرد في نظرهم إما مسلم أو ذمي ، وإما معاهد وإما محارب ، وينسحب هذا التقسيم على الدول أيضاً ، في معاملة الدولة الإسلامية لها فيقال : دولة معاهدة أو محايدة أو محاربة • ثالثاً : أنقذت الحضارة العربية الإسلامية العالم القديم مما كان يعيش فيه من فوضى واضطراب ، وأنقذت الإنسان من الاستعباد والظلم الاجتماعي ، وأشاعت المثل الأخلاقية الرفيعة ، في عصر كانت تسوده شريعة الغاب ففي القرنين الخامس والسادس ـ الميلاديين ـ كان العالم المتمدن على شفا جرف هار من الفوضى ، وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال • رابعاً : وصلت الحضارة العربية الإسلامية بين قديم الحضارات وجديده ، بما حفظت من تراث الأقدمين وما أضافت إليه من صنع عبقريتها المبدعة في ميدان العلوم الطبيعية فضلاً عن إشاعة روح البحث العلمي ، والنهوض بالآداب . وأخيرا وليس آخرا ان الحضارة الإسلامية أضافت إنتاجًا مميزًا ومبهرًا أنتج قفزات للبشرية ساعدتها على اكتشاف أشياء لم تتخيل يومًا الوصول إليها ، إلا أن الحضارة التي كانت أول كلماتها (اقرأ) وعنوانها (قل هاتوا برهانكم) انتهت إلى تجريم التفكير وتقزيم دور النظر والبحث بصورة بدت عصية على الفهم .

1 التعليقات :

  1. من رحمة ربنا علينا انه جعل سنن قيام وسقوط الدول واحدة (( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ))
    وباختصار شديد سنن قيام الدول قربها من الله وسنن سقوط الدول بعدها عن الله
    ومن أسباب سقوط الدول :
    ان اللي بيأسسوا الحضارات ناس بتتعب بجد وبيكونوا عندهم اخلاص وهدف وارادة بعد كده بييجي الورثة من غير تعب وجهد بيلاقوا قدامهم الحضارة وكل اسباب الترف والعبث فتبدأ الحضارة تختفي .

    ردحذف

 
جميع الحقوق محفوظة مدونة قطرة عطر للكاتب عبده جمعه
تركيب أمل جمال النيلي