الرئيسية » » عبد الرحمن الناصر

عبد الرحمن الناصر

Written By قطرة عطر للكاتب عبده جمعه on الثلاثاء، 27 أغسطس 2013 | 3:13 م

عبد الرحمن بن محمد، ابن الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل. كنيته. أبو المطرف. لقبه: الناصر لدين الله.

ولد تقريباً في عام 277هـ وقد قتل أباه في هذا العام وقد مر على مولده واحد وعشرين يوماً.

سار عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر لدين الله على نهج عبد الرحمن الداخل، فجاهد الكفار وردهم بغيظهم وكانت ولايته كلها جهاد في سبيل الله، وكان لا يمل الغزو في سبيل الله مدة ولايته التي استمرت خمسين سنة، لم يعرف خلالها طعماً للرحة فقد وجد بخطه تأريخ قال فيه: أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا. فعدت تلك الأيام؛ فوجد فيها أربعة عشر يوما.

كان عبد الرحمن بن محمد الأموي الذي لقب فيما بعد بالناصر لدين الله وأول من لقب بأمير المؤمنين من أمراء الأندلس الكثير من الفتوحات في الأندلس.

قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:لم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العوج، ومهد البلاد، ووضع العدل، وكثر الأمن، ثم بعث جيشا إلى المغرب، فغزا برغواطة بناحية سلا، ولم تزل كلمته نافذة، وسجلماسة، وجميع بلاد القبلة، وقتل ابن حفصون.

وصارت الأندلس أقوى ما كانت وأحسنها حالا، وصفا وجهه للروم، وشن الغارات على العدو، وغزا بنفسه بلاد الروم اثنتي عشرة غزوة، ودوخهم، ووضع عليه الخراج، ودانت له ملوكها، فكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف رجل يصنعون في بناء الزهراء التي أقامها لسكناه على فرسخ من قرطبة.

وساق إليها أنهارا، ونقب لها الجبل، وأنشأها مدورة، وعدة أبراجها ثلاث مئة برج، وشرفاتها من حجر واحد، وقسمها أثلاثا: فالثلث المسند إلى الجبل قصوره، والثلث الثاني دور المماليك والخدم، وكانوا اثني عشر ألفا بمناطق الذهب، يركبون لركوبه، والثلث الثالث بساتين تحت القصور.[1]

وفُتح في عهده فتوحات كثيرة وكان لا يمل ولا يكل من الجهاد في سبيل الله ومن الفتوحات التي تمت في عهده فتح مطونية وكانت سنة 306هـ، وكان سببها أن المشركين تطاولوا على من كان بإزائهم من أهل الثغور، فأمر بالاحتفال في الحشد وجمع الرجال والتكثير من الأجناد والفرسان الأبطال. وعهد إلى حاجبه بالغزو بنفسه في الصائفة. ونفذت كتبه إلى أهل الأطراف والثغور بالخروج إلى أعداء الله، والدخول في معسكره، والجدّ في نكاية أهل الكفر، والإيقاع بهم في أواسط بلادهم، ومجتمع نصرانيتهم.

لقد أمضى الناصر لدين الله مدة ولايته التي استمرت خمسين عاماً غازياً ومجاهداً في سبيل الله، ولم يعرف عنه التواني عن نصرة الدين أو الخذلان ولكنه كان ذا همة عالية ومطالب سامية.

العمارة

غدت قرطبة في عهد الناصر واحدة من أعظم مدن أوروبا، بل ونافست بغداد بهائها وعظمتها وفخامتها، واتسعت حتى بلغ عدد سكانها في عهد عبد الرحمن الناصر نحو نصف مليون نسمة،[84] وشرطتها 4,300 شرطي وبها 3,837 مسجد ومائة وثلاثة عشر ألف دار، ونحو ثلاثمائة حمام عام، وأرباضها ثمانية وعشرين ربضًا حول المدينة،[85][86] ولها سبعة أبواب، كما كثر بها القصور والمتنزهات الفخمة، فبلغت شهرة قرطبة حينئذ الآفاق. وقد اهتم عبد الرحمن الناصر بالعمارة والبناء أيما اهتمام حتى أنه خصص ثلث الخراج كل عام لهذا الشأن.

أطلال مدينة الزهراء.

يعد تأسيس لمدينة الزهراء أعظم أعمال عبد الرحمن الناصر في مجال العمارة والبناء. بنيت الزهراء شمالي غرب قرطبة بنحو خمسة أميال، لتكون قاعدة ملكية جديدة بعدما ضجت قرطبة بساكنيها وازدحموا بها. وعن سبب تسميتها، ساق لنا المقري قصة في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" عن سبب ذلك، فقد قال أن سبب تسمية المدينة باسمها أن عبد الرحمن الناصر ورث عن جارية له مالاً كثيرًا، فأمر أن يستخدم هذا المال في افتداء أسرى المسلمين، فلم يجدوا من يفتدوه بهذا المال. حينئذ، أشارت عليه جارية له تسمى الزهراء، بأن يبتني تلك المدينة وتسميتها باسمها لتكون سكنًا خاصًا لها.

جلب الناصر لبناء الزهراء المهندسين والعمال والفنانين من شتى المدن، وبالأخص من بغداد والقسطنطينية،وقد استخدم البنائين فيها أنواعًا عدة من الرخام الأبيض والأخضر والوردي الذي جيء به من كورتي ألمرية وريُّة ومن إفريقية والشام والقسطنطينية، كما استخدم فيها أربعة الآف وثلاثمائة وأربع وعشرين سارية مختلفة الأحجام من الرخام.

وقد بلغ عدد العمالة اليومية في بناء تلك المدينة عشرة الآف عامل كل يوم، إضافة إلى ألف وخمسمائة دابة لنقل مواد البناء، يستخدمون ستة الآف قطعة من الصخر المنحوت في البناء. وقد خصص عبد الرحمن الناصر ثلاثمائة ألف دينار كل عام لعمارة الزهراء، عدا ما أنفقه ابنه الحكم بعد ذلك.

وفي الزهراء أيضًا، شيد الناصر مسجدًا جامعًا في ثمان وأربعين يومًا فقط. استخدم الناصر لإتمام بناء هذا المسجد ألفًا من المهندسين والعمال والفنانين في اليوم الواحد، وجعل للمسجد قبابًا وأعمدة فاخرة.] كان طول المسجد 97 ذراعًا وعرضه 59 ذراعًا وأرضيته من الرخام الخمريّ وفي وسطه فوّارة يجري فيها الماء، وقد حمل إليه منبرًا بديع الصنع والزخارف آية في الجمال.

كما بنى الناصر في الزهراء دارًا عظيمة لصناعة الأسلحة وأخرى لصناعة الزخارف والحلي. وقد انتقل عبد الرحمن الناصر للإقامة في الزهراء عام 329 هـ، بعد أن تم بناء القصر والمسجد الجامع.

المسجد الجامع في قرطبة.

كأسلافه، اهتم عبد الرحمن الناصر بعمارة المسجد الجامع في قرطبة، فجدّد واجهة المسجد، وإلى اليوم لا تزال اللوحة التي تنوه بهذا العمل تزين أحد أبواب المسجد، الذي حوّله الإسبان بعد سقوط قرطبة إلى كاتدرائية عظيمة، وقد كُتب على تلك اللوحة بخط كوفي : «بسم الله الرحمن الرحيم. أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أطال الله بقاؤه ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه تعظيمًا لشعائر الله ومحافظة على حرمة بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر مع بقاء شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله في شهر ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب».

قالوا عنه

قال عنه الذهبي: كان لا يمل من الغزو، فيه سؤدد وحزم وإقدام، وسجايا حميدة، أصابهم قحط، فجاء رسول قاضيه منذر البلوطي يحركه للخروج، فلبس ثوبا خشنا، وبكى واستغفر، وتذلل لربه، وقال: ناصيتي بيدك، لا تعذب الرعية بي، لن يفوتك مني شئ.

فبلغ القاضي، فتهلل وجهه، وقال: إذا خشع جبار الأرض، يرحم جبار السماء، فاستسقوا ورحموا.

وفاته

لقى الناصر لدين الله ربه بعد حياة حافلة بالجهاد في سبيل الله وعمره: ثلاث وسبعون سنة وسبعة أشهر. وقد توفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان المعظم سنة 350هـ؛ فكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام.


0 التعليقات :

إرسال تعليق

 
جميع الحقوق محفوظة مدونة قطرة عطر للكاتب عبده جمعه
تركيب أمل جمال النيلي