
أمام إحدي مستشفيات الاسكندرية وقف العجوز يلتحف ببالطو صوف غامق يميل الي اللون الأسود وسط سحاب كثيف .. كانت تتقدم بخطوات ثابته ورشيقه واثقه .. تختطه مسرعه.. توقفت .. هزت رأسها في إنكار . إستدارت برأسها إلي الخلف .. عادت مبهوره فرحه . متلهفه . نظرت جيداً . هو ذات الوجه . أعماق المحيط .. عيناه . أشعة النجوم في الليل الحالك . شعره . شفتاه . نور عبقريته . إنسانيته في التعامل مع الناس . يقف ها هنا بواب ؟! إقتربت منه .. سرت قشعريره في خلايا بدنه . لم يشعر بها منذ زمن بعيد . نظر الي قدميها . قدها . وجهها . في حركة بطيئه خائفه من المجهول . مدت يدها . نهض . أدار رأسه يخاطب أحد السائلين عن الأستقبال .. قبل جبهة طفله المريض . سكن بلا حركه . مدت يدها الي كتفه في رفق .. سنوات الهروب لم تدم طويلاً .. حاول الهروب من أسئلة عينيها .. أحاط بها زملاؤها . جلس‘ أخذ نفساً عميقاً . نظروا إليه في إنبهار..أطالت النظر إلي
كل ذره من جسده .
.. بحثت عنك كثيراً يا أستاذ .
.. أنستي . صمت في حيره . يجب أن تنسيني فأنت لا تعرفيني ولن تستطيعي الفهم .. ظلت شارده في كهوف عينيه , تقرأ ما يحاول أن يخفي . الخوف منها والحنين إليها .. ظلت تحاوره سنين وهي تعمل معه . إعترفت له بحبها .. رفض الفكره قائلاً
.. ما الذي يغري فتاة جميلة العينين ملائكية الوجه ممشوقة القوام بمثلي ؟
تحرك بعض زملائها في إتجاه المستشفي .. ظل بعضهم يتابع الحديث في شغف .. لقد فهمتك يا أستاذ ثم أحببتك
.. لايمكن أن يجتمع الفهم والحب .. فلقد خلق الله الاشياء كامله.. إلا الإنسان. وأنا أقل من ذبابة وأصغر من برغوث .. لهم جميعاً ميزه في وجودهم وليست لي ميزه. وإن كنت بالنسبه لك ولهم عبقرياً ومختلفاً عن جميع الرجال وأنت عن جميع النساء ؛ فأنا وأنت عاجزان علي الحياة وحدنا أو الحياة معاً , إشتد ت برودة الجو .. وتحركت الرياح بشدة .. إنهمرت الأمطار . إختبأ الجميع إلا هي أحضر لها مظلته وخلع البالطو ووضعه فوق كتفيها ..
ظلت برغم هذا الرفض تطارده .. تبحث عنه .. تعلمت منه أثناء عملها معه كصحفي وأديب معني الحب ؟ حب العدل والحكمه والحريه والدفاع عنهم مهما كان الثمن وكان ينشغل عن الناس والحياة دائماً ليبحث عن الحلول والمعرفة .. ومهما تلقي من طعنات الغد ر والجحود .. وهكذا لا يمكن أن يحب من الناس .. لا رجال ولا نساء .. لكن السؤال الذي كان يقلق منامها هو كيف يعيش أدباء ومفكرون أخرون تزوجوا مره .. بل مرات ؟! وكيف تفسر هي شعورها نحوه ؟! برغم كل هذه الكلمات السخيفه التي تقال عنه . بأنه مجنون .. بأنه رأس كبير يركب جسد فأر .. عندما صارحته بكل هذا.. صمت لثوان وجالت العبرات في عينيه .. أحمرت وجنتاه .. قال في أسي ورأسه يلفه دوار خفيف.
.. .. ليتك يا أبنتي ما أقتربتي مني ولا عرفتني يوماً ولا عرفتك أو سمعتي مني شيئاً .. إنني إنسان فاشل . لم أنجح يوماً في حياتي . يجب أن تبتعدي عني .أنا رجل ميت أؤمن بمبادئ فاضله.. محنطه.. أردت أن أبعث فيها الحياه .. ثم أحولها الي سلعه أجسدها في كلمات حتي يقبل عليها الناس .. لكنني إكتشفت أنها سلعه لا يجب أن يشتريها أحد .. وإذا أشتراها ينظر إليها ثم يلقي بها الي أقرب صندوق للقمامه.. إرتسمت فوق ملامحه علامات حزن شديد. ..
أرادت أن تقاطعه .. أشار إليها بأطراف أصابعه .. وغمز لها بعض زملائها .. لقد أصدرت منذ زمن قراراً بالرحيل بعيداً بألا يتعامل معي أحد . فلم أعد أقول شيئاً .. تجولت في الشوارع .. والمحافظات .. شاركت في حروب .. ثورات ,, تمنيت خلالها الموت .. ابتعدت عني الطلقات لتصيب الاطفال والنساء والشيوخ .. عجلات السيارات .. هروات البوليس .. ويا للعجب تبتعد عني ترفضني, لا أريد أن أنساق الي عالم غريب لا أعرفه ..قالت في تحدي العالم ببواطن الأمور.
إيه المعجزه!! ..
معجزه .. وجود كائن حي يرغب في وجودي .يستطيع أن ينقذني من نفسي التي دائما تحاربني .. كنت أعتقد أن إمرأه ذكيه تسطيع أن تقترب وتقبل علي هذا الاتون المتوهج الذي يجمع بين النار والجليد .. وتري أن واجبها المقدس إحتواء هذا الكائن الغريب .. تدخل الي أعماق أعماقي لتري بوضوح بصيرتها وغريزتها .تفك كل هذه الألغاز المتراكمه في أعماقي .. تجيب عن سؤال . الأسئله .. فلا يخرج من عقلي سؤال واحد بعد ذلك .. قالت وهي تحاول الأقتراب منه بفرحة الغريق بقشة النجاه ..
كل ما قلته لا يعجبني ..أنا .. إنني أحبك. وإذا كنت ترفض كل معاني الحياه والحب .. فأنا علي يقين من مشاعري .
قاطعها أحد الزائرين ‘حملق مبهوراً بجمالها . نسي مكان التذكره . نهره بنظره جافه .. دخل مسرعاً وهو ينظر خلفه ‘ أسرع قبل أن تكمل .. إنني مجرد شيخ في طريقي للرحيل .. أعد أجزاء الكفن لألملم بقايا الإنسان بداخل نفسي الحائره .
لا .. يا أستاذي وحبيبي .. إذا كنت ترفض اليقين بأي شئ أو أحد . إذا كنت مصر علي أن تكون دودة القز, التي تنسج لنفسها كفنا ونعشا من خيوط الحرير , ثم تحكم إغلاقها حتي تموت في سلام ولا يتدخل أحد لإنقاذها .. فقد جئت إليك قبل أن تسد أخر باب في وجه الحياه .لأنتزع من حولك خيوط الكفن .. أعطني هذا الخيط وسوف تري .. سوف أجعل للكفن نافذه .. إنحصرت فجأه السحب . إنقطع المطر .. لاحت في الافق البعيد بعض النجوم .أكملت ..دعني أنقذ فيك بقية الحياه .. إذا كنت تريد الموت فأنا أريد الحياه لي ولك .. العالم منذ الأزل يتعاطي الحب ‘ وأنا أحبك وسوف أطيل عمرك . وفي هذا أعظم دور لي يا أستاذ أن أنقذ مثلك من الموت ‘ وأمام زملائي هؤلاء أعاهدك .. نظر اليها في شفقه .. إنهمرت قطرات من الدمع السجين ‘ فوق وجنتيه وقال.
أنت أجمل مخلوقات الله .أنت صورة لجمال الجسم والعقل ..أنا وانت سحابتان إذا التقينا نعود من أجل حياة الأخرين . لقد أبحرت في عالم المعرفة وعرفت يا إبنتي أنني لا أصلح لهذا الزمان .. بحيرتي . بجهلي . بما يحتوي صدري من أسرار عينت نفسي حاجباً لها وستراً مانعاً .. لابد لي أن أغلق الباب لتخرجي .. أنت فراشه تهجر الحياة للحياة ..
رفعت رأسها ؟ أزاحت شعرها الأسود كالليل البهيم إلي الوراء .. بدت قمراً في ليل الشتاء الحالك مدت يدها .. تراجع .. إبتسمت .. تقدمت
تمت
0 التعليقات :
إرسال تعليق