في الهزيع الأخير من الليل.. على أرصفة المحطات الغافية غادرها,بينما خصل الغيوم الرمادية التي مزقتها الريح أخذت ترسم ظلالاً باهتة ثم تتلاشى لتتكدس من جديد، هل ستكون وابلاً أم ستمزقها الريح ثانية؟
قالت له :ساذج كل من يلهث وراء المحطات..!!
فأبتسم ابتسامة ساخرة.وأذيال الغيوم الممزقة مازالت تفر مسرعة إلى ملاذ متجهم. بصق على باب البيت القصديري المهترئ، ثم ودعها عند عتبة الباب , تأملها مبتسماً. ظل يتأمل في وجهها امتلاء ونضارة، وفي عينيها جمال هادئ وديع.. شفتاها المرتجفتان تصنعان دائرة للرغبة ينبثق منها شعاع هاتف بالتقبيل ربما سيكون الأخير.
في عنقها ظلت عيونه مشدودة بذالك العقد ,عقداً من الخرز يضيء بشرتها النحاسية، و تدخرفي صدرها صورته دفئاً لليالي الشتاء,حدقت إلى عينيه طويلاً ,طبعت على جبينه قبلة أخيرة , فتح عينيه بتكاسل ليجد نفسه على سطح قارب متجه إلى مقاصد هائمة. سار وعيناه ترنوان بقلق إلى فلول الغيوم المهزومة .
على شرفة البيت.. كانت هي تعد النجوم وتهمس في أذن القمر كل حروف القهر وكلمات الحزن. تنظر إلى المتسللين تحت المصابيح المتباعدة فتتمنى أن تتأتى لها المعرفة لتقرأ ما وراء وجوههم من أخبار دفينة لكنها لا تجرؤ لأن لها أيضاً خبراً دفيناً.
تشيح بوجهها وتصوب بصرها عبر النوافذ القريبة والبعيدة التي تزفر مصابيحها الناعسة أضواء خافتة، فتتنهد بعمق لأنها تعرف بأن وراء كل نافذة سراً غامضا أسدلت عليه الستائر، وخلف كل جدار صفيق روحاً هائمة تختزن من القصص المؤلمة التي لا يدري بها أحد، وفي كل ركن حادثة تولد وأخرى تموت في نجوة من الأعين، فتنزوي في ركن قصي تحمل همومها في قلبها النازف تناجي الليل فتذوب نفسها في عتمته كما تذوب فيه الحدود، وتضل الأبعاد.. لا أحد في الدنيا يقاسمها تلك الهموم سوى رسوم وجهه الغائب..!
في إحدى المساءات الباب يصرّ صريراً مزعجاً يكشف نوراً خافتاً يتسلق بلهاثه الجدران, وقفت صورته أمامها, تأملته فلقد كان القنديلُ ينثر لهاثَ ضوئِه فوق وجهها فيجعلُ لأهدابها ظلالاً تزيد إشعاعَ عينيها ألقاً.. حدّق في عينيها فرآهما تتحركان بتثاقل.. شريط من الذكرى الأليمة مازالت بصماتها محفورة في ذاكرته.. لم يستطع نسيان الماضي ولا الآلام التي كابدتها نفسه.. كان يتمتم بأسى كلمات الاستغفار، ويزفر الآهات حرى,
هذا الألق القادم من عينيها المتوهجتين ، وهذه الابتسامة التي تضمه بحنان كلّ رحيق الأمل بذلتها بسخاء لتبدد الكآبة ألتي تعاني منذ أن زرعت في مفازة الأسى خطواته الأولى...!!
...................................
اللوحة للفنان Farooq Hassan Al-Tamim
0 التعليقات :
إرسال تعليق